محمد بن زكريا الرازي
267
الحاوي في الطب
النضج وجه بتة لأنك حينئذ إنما تستفرغ المشاكل لا المخالف . والثاني : أنه قد تجد أدوية كثيرة مسهلة لا تهيج حرارة بل تمنع وتبرد ، وأيضا فإن الدواء المسهل وإن كان حارا فإنه يبرد بالعرض أكثر مما يسخن بالجوهر ، مثال ذلك : السقمونيا إن أسخن بالجوهر فإنه يبرد بالعرض أكثر لأنه يخرج الصفراء التي هي مادة الحرارة . فإن أحدث حرارة فإنما يحدثها مدة الإسهال فقط ثم يؤول الأمر إلى البرد بإخراجه الحار عن البدن وخروجه معه ، وينبغي إن نحن تركنا القياس ألا ندع العيان فإنا نجد الدواء الحار إذا لم يكن مسخنا إن أخذ منه أسخن وبقي إسخانه لابثا لأنه لا يعرض عنه أن يبرد بعرض ، فإن كان مع إسخانه مسهلا لخلط بارد فإنه حينئذ يسخن بالجوهر والعرض جميعا ؛ مثال ذلك أنه إن سقي في حمى غب شحم حنظل فإنه يسخن أولا بجوهره وثانيا بالعرض لإخراجه البلغم . وبعد فكيف صرنا في حمى الدم نبادر بالاستفراغ ولا تنتظر النضج ؟ فإن قيل لأنا قد نقدر أن نستفرغ من غير أن نسخن لأنا نخرج الدم بالفصد . قيل فاجعلوا لنا أولا على هذا القياس أن نخرج الصفراء والسوداء والبلغم في الحميات إن قدرنا على إخراجها بأدوية لا تسخن ، وأنتم تأبون ذلك فما العلة ؟ فإن قالوا : إن الدم نضيج لا يحتاج أن ينتظر به النضج وإنما تؤذي كميته . قلنا لهم : فأمسكوا عن الاستفراغ في هذه الحمى إن كان هذا الخلط موافقا ودعوا الطبيعة تغتذي به أولا فأولا ، فإن قالوا : إنا قد نخاف أن يخرج وجه حرارة الحمى عن المزاج الموافق فيسخن فضل سخونة ! قيل لهم : الصفراء أحق بأن تصير إذا تركت أحدّ وأحر وأخبث ، وبعد فإن الصفراء والسوداء جميعا أنضج من الدم لأنهما تكونان بعده . فإن قالوا : إن النضج إنما هو تشبه بالطبيعي والصفراء أسخن والسوداء أبرد من الطبيعي ويحتاج أن تعمل الطبيعة فيها حتى تشبهها بها ! قيل : فإذا اشبهته قد « 1 » استغني عن الاستفراغ إلا من باب الكمية لأنه حينئذ قد صار دما موافقا في الكيفية مؤذيا بالكمية ، وعلى هذا القياس يجب أن تدعى حمى الغب والسوداء والبلغم حتى يستحيل أخلاطها دما موافقا ثم تفصدون إن آذاكم كميته . وأنتم لا تفعلون ذلك ! ولو فعلتموه لكان مع الجهل والسخف أشد الخطأ ، وذلك أنا نرى العليل بعد منتهى هذه ليس إنما يحتاج أن يخرج دمه بل يحتاج إلى زيادة فيه . وما تقولون أتمسك عن اليرقان ؟ فلا تسهله بسقمونيا حتى تنضج الطبيعة ذلك الخلط . إن فعلنا هذا آل أمره إلى فساد المزاج والاستسقاء ، وما بالنا إذا استفرغنا بسقمونيا لا نجده بعد ذلك يزيد في إسخانه وكثرة انتشار مراره وصبغ بوله واصفرار لونه بل نجده ينقص في جميع هذه الأشياء وجلها . وفي جملة القول إنه إن كان ينبغي أن يترك الطبيعة الأمراض إلى أن تنضجها فإنه ليس بها بعد النضج حاجة إلى الطبيب بتة لأنها قد جعلت الخلط الفاعل لذلك المرض طبيعيا بإحالته إليها وفي هذه بطلان الطب ، وقولي إن النضج إنما يحتاج أن يتفقد لأمر الغذاء فقط لأن الغذاء قبل النضج يطيل الانتهاء لعمل الطبيعة فيه وفي المرض فإذا انفردت بالمرض كان
--> ( 1 ) لعله : أشبهتها فقد .